الغزالي

10

إحياء علوم الدين

حساب الشدة . وقال لكعب : كيف تجدها في كتاب الله ؟ قال ويل لديّان الأرض من ديّان السماء ، فعلاه بالدرة وقال : إلا من حاسب نفسه . فقال كعب : يا أمير المؤمنين ، إنها إلى جنبها في التوراة ، ما بينهما حرف ، إلا من حاسب نفسه . وهذا كله إشارة إلى المحاسبة للمستقبل ، إذ قال : من دان نفسه يعمل لما بعد الموت ومعناه وزن الأمور أولا ، وقدّرها ، ونظر فيها ، وتدبرها ، ثم أقدم عليها فباشرها المرابطة الثانية المراقبة إذا أوصى الإنسان نفسه ، وشرط عليها ما ذكرناه ، فلا يبقى إلا المراقبة لها عند الخوض في الأعمال ، وملاحظتها بالعين الكالئة ، فإنها إن تركت طغت وفسدت . ولنذكر فضيلة المراقبة ثم درجاتها . أما الفضيلة فقد [ 1 ] سأل جبريل عليه السلام عن الإحسان . فقال : أن تعبد الله كأنك تراه . وقال عليه السلام [ 2 ] « اعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك » وقد قال تعالى * ( أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ) * « 1 » وقال تعالى * ( أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الله يَرى ) * « 2 » وقال الله تعالى * ( إِنَّ الله كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) * « 3 » وقال تعالى * ( والَّذِينَ هُمْ لأَماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ والَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ ) * « 4 » وقال ابن المبارك لرجل : راقب الله تعالى . فسأله عن تفسيره ، فقال : كن أبدا كأنك ترى الله عز وجل . وقال عبد الواحد بن زيد : إذا كان سيدي رقيبا عليّ فلا أبالي بغيره وقال أبو عثمان المغربي : أفضل ما يلزم الإنسان نفسه في هذه الطريقة المحاسبة والمراقبة ، وسياسة عمله بالعلم . وقال ابن عطاء : أفضل الطاعات مراقبة الحق على دوام الأوقات وقال الجريري : أمرنا هذا مبني على أصلين : أن تلزم نفسك المراقبة لله عز وجل ، ويكون العلم على ظاهرك قائما . وقال أبو عثمان : قال لي أبو حفص : إذا جلست للناس فكن واعظا

--> « 1 » الرعد : 33 « 2 » العلق : 14 « 3 » النساء : 1 « 4 » المعارج : 32 ، 33